أبي حيان التوحيدي

199

المقابسات

استجاب كفّ عرام طبيعته ، وأمات هائج شهوته بالتدريج والترتيب ، ليكون ممن إصغاؤه إلى نصح العقل وهدايته أتمّ ، ويكون استضاءته بنوره أشمل وأعم ، فلهذا كان للعقل تحريم وتحليل ، وحظر وإباحة ، ومنع وإجازة ، وكفّ وحثّ ، وإطلاق وقيد ، وحبس وبعث ، لا على ما يظنه من لا خبرة له بالحقائق ، ولا استجابة له عند داعى الرشد 39 مقابسة [ في كيف يفعل العاقل اللبيب ما يندم عليه ؟ ] قيل لأبى سليمان : كيف يفعل العاقل اللبيب والحازم الأريب ، ما يندم عليه ؟ وكيف يقدم على ما يعقبه تبعة ، ويأتي ما يأباه بعقله ، ويكرهه بدينه ، ويعافه بمروءته ، وينكره بعادته ، ويمنع منه غيره بنصيحته ؟ هذا مع اختياره الذي هو إليه ، واستطاعته التي هي حاصلة لديه ، [ و ] مع عقله الذي هو كاللجام والزمام ، والقاضي والامام ؟ فقال : الاختيار والاستطاعة ، والقوة والقدرة ، والحزامة والعزيمة ، والرأي والرويّة ، والشهامة والصريمة ، والتحصيل واليقظة ، وكلما كان في قبيلها ، وجاريا في حلبتها ، ومشاكلا لها ، ونازعا إليها ، وداخلا في حرمتها ، ليست هي للانسان على طريق الملك يصرفها كيف يشاء ، ويقلبها كيف يريد ، بل هي له من جهة التمليك ، فلو كانت على جهة الملك ما زلّ زلّة ولا ضلّ ضلة ، ولا ندم ندامة لاذعة ، ولا التزم مؤلمة موجعة ، ولا زحم زحمة موحشة ، ولا نكص على عقبيه متحيرا ، ولا بقي منكسا مبهورا ، متى كانت عنده على وجه التمليك من مالكها ، بقيت منها بقايا عند مالكها متى شاء تمام فعله أمده منها بما يتم له فعله ، لئلا يظنّ ظانّ أن ذلك لاستقلاله